كشفت البعثة الأثرية السورية الإيطالية المشتركة العاملة في تل السمهانة بقرية البصة في محافظة اللاذقية عن معالم معمارية تعود إلى العصرين البرونزي الوسيط والمتأخر، أي إلى نحو أربعة آلاف عام وما قبلها، وفق ما أُعلن يوم الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتقدم هذه النتائج صورة نادرة عن حياة القرى الزراعية الصغيرة التي كانت تدور في فلك مملكة أوغاريت الشهيرة على الساحل السوري.
ماذا وجدت البعثة في تل السمهانة؟
بحسب ما نقلته مواقع سورية عن رئيسي البعثة، تمكن المنقبون من الكشف عن بقايا معمارية تنتمي إلى العصر البرونزي الوسيط والعصر البرونزي المتأخر (الحديث)، إلى جانب لقى متنوعة شملت دمى صغيرة (تماثيل) وقطعاً فخارية وأدوات حجرية. وأوضح رئيس البعثة من الجانب الإيطالي، الدكتور لورنزو دالفونسو من جامعة بافيا، أن الأمطار الغزيرة أبطأت سير العمل هذا الموسم، وأن البعثة تعمل في الأيام العشرة الأخيرة من موسمها الحالي على كشف أرضيات تعود إلى العصر البرونزي المتأخر في الجزء العلوي من التل.
وأضاف دالفونسو أن تحاليل التأريخ بالكربون المشع (الكربون 14) التي أُجريت العام الماضي، إلى جانب دراسة الدمى والفخار والأدوات الحجرية، تتيح تحديد الفترات الزمنية للموقع بدقة، مشيراً إلى أن موسماً جديداً من التنقيب مخطط له في العام المقبل.
مستوطنة ريفية تابعة لأوغاريت
من جهته، أوضح رئيس البعثة من الجانب السوري، محمد رضوان، أن الموقع كان مستوطنة صغيرة تابعة لمملكة أوغاريت، ويقع على نهر الكبير الشمالي على بعد نحو 800 متر من مصبه، في سهل زراعي كان يزود المنطقة بالقمح والزيتون. وبيّن أن التنقيبات كشفت ثلاث طبقات أثرية رئيسية:
- الطبقة البيزنطية: وهي الأحدث زمنياً بين طبقات الموقع.
- طبقة العصر البرونزي المتأخر: المرتبطة بالفترة التي ازدهرت فيها أوغاريت.
- طبقة العصر البرونزي الوسيط: وهي الأقدم بين الطبقات المكتشفة حتى الآن.
وتشير صفحة المشروع على موقع جامعة بافيا الإيطالية إلى أن تل السمهانة كان مأهولاً من أواخر العصر البرونزي الوسيط حتى نهاية العصر البرونزي المتأخر (نحو 1550–1200 قبل الميلاد)، وأن ثقافته المادية المتواضعة تتباين بوضوح مع غنى العاصمة أوغاريت في رأس شمرا، ما يجعله أول دليل أثري على الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الريفية في “بلاد أوغاريت”.

مسيرة التنقيب منذ 2015
بدأت أعمال التنقيب في الموقع عام 2015 عبر بعثة وطنية سورية عملت ثلاث سنوات بإمكانات محدودة، ثم استؤنفت عام 2024 في إطار بعثة مشتركة سورية إيطالية، قبل أن تتوسع في عام 2025 ضمن خطة عمل مدتها ثلاث سنوات، بحسب ما ذكره رضوان. وتُنقل اللقى المكتشفة بعد توثيقها إلى مستودعات المتحف الوطني، فيما يسهم أهالي المنطقة في حماية الموقع والمحافظة عليه.
أوغاريت: لماذا تحظى بهذه الأهمية؟
تُعد أوغاريت، الواقعة في رأس شمرا شمال مدينة اللاذقية، من أهم ممالك الساحل السوري في العصر البرونزي المتأخر، وقد اشتهرت عالمياً بالألواح المكتوبة بالأبجدية الأوغاريتية المسمارية. ومعظم ما نعرفه عن هذه المملكة جاء من قصورها ومعابدها وأحيائها في العاصمة، بينما بقيت حياة القرى الزراعية المحيطة التي كانت تمد العاصمة بالغذاء أقل حضوراً في السجل الأثري. ومن هنا تكتسب نتائج تل السمهانة قيمتها، لأنها تكشف الوجه الريفي لهذه الحضارة.
الآثار “ذاكرة سوريا”
وتأتي هذه الاكتشافات في وقت تولي فيه وزارة الثقافة السورية اهتماماً متزايداً بملف التراث؛ إذ قال وزير الثقافة محمد ياسين صالح في 12 تشرين الأول إن الآثار ليست أحجاراً فحسب، وإنما هي “ذاكرة سوريا”. ويُعد عمل هذه البعثة المشتركة، المستأنف منذ عام 2024، نموذجاً للتعاون العلمي الدولي في مجال الآثار السورية.
لماذا يهمنا هذا الخبر؟
يضيف الكشف حلقة جديدة إلى فهم تاريخ الساحل السوري، إذ ينقل الاهتمام من القصور والمدن الكبرى إلى حياة الفلاحين والقرى التي شكّلت العمود الفقري الاقتصادي للممالك القديمة. كما يؤكد أن المواقع الأثرية السورية ما زالت تخبئ الكثير، وأن حمايتها بالتعاون مع المجتمعات المحلية شرط أساسي لاستمرار هذه الاكتشافات.
