مع مرور عام على سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان، في 26 أكتوبر 2025، نشرت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش شهادات وتقارير جديدة ترسم صورة قاتمة لمدينة كانت تؤوي قبل الحرب أكثر من مليون نسمة، ولم يبقَ فيها اليوم سوى أقل من 70 ألف شخص، وفق أرقام جمعتها منظمات إنسانية عاملة في المدينة.

العفو الدولية: «غشاوة من الخوف تخيّم على الفاشر»
قالت منظمة العفو الدولية إن المدنيين في الفاشر ما زالوا يتعرضون للاحتجاز والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، مع وصول محدود للمساعدات الإنسانية، بعد عام من سيطرة الدعم السريع على المدينة. واستندت المنظمة إلى مقابلات أجرتها في أغسطس وسبتمبر 2026 مع 25 مدنياً، بينهم 19 من السكان وستة عاملين في المجال الإنساني، غادر 15 منهم المدينة بين يوليو وأغسطس 2026.
وقالت الأمينة العامة للمنظمة أنياس كالامار إن ادعاءات الدعم السريع بأن الفاشر آمنة لعودة المدنيين «أبعد ما تكون عن الحقيقة»، مضيفة: «غشاوة من الخوف تخيّم على الفاشر اليوم. الرجال والنساء يعيشون تحت مراقبة دائمة من الدعم السريع، ومع تهديد مستمر بالاحتجاز والتعذيب والقتل». وانتقدت كالامار استمرار دعم الإمارات للدعم السريع، كما انتقدت معارضة القوات المسلحة السودانية لتمديد حظر السلاح ولوقف إطلاق النار.
سجون ومدارس تحولت إلى مراكز احتجاز
من بين 19 من السكان الذين قابلتهم المنظمة، احتُجز 17 لدى الدعم السريع، معظمهم بشكل تعسفي أثناء السيطرة على المدينة، وبعضهم عند عودتهم لاسترداد ممتلكاتهم أو البحث عن ذويهم المفقودين، وظلوا في الأسر شهوراً. وأفاد عدد منهم بأن أبناء جماعات عرقية معينة، لا سيما الزغاوة والمساليت، كانوا أكثر عرضة للاحتجاز والإساءة. ولم يُفرج عن المحتجزين إلا بعد دفع ذويهم فدية أو بالفرار.
وروى «مدثر» (اسم مستعار)، وهو شاب من الزغاوة في التاسعة والعشرين احتُجز في سجن شالا، أن «التعذيب أمر دائم» في مراكز احتجاز الدعم السريع، وأنه شهد عمليات إعدام، قبل أن يتمكن من الفرار في يوليو 2026. كما احتُجزت نساء وأطفال ومسنون في مدارس تحولت فعلياً إلى مراكز احتجاز، مع شح الطعام والعلاج؛ وقالت «هادية» (اسم مستعار) إن أطفالها الثلاثة شُخّصوا بسوء التغذية عند وصولها إلى طويلة في أغسطس 2026، ونُقل أحدهم إلى المستشفى.
وأشارت المنظمة إلى أن صور الأقمار الصناعية التي حللتها تُظهر تراجع النشاط في مواقع الاحتجاز داخل المدارس بحلول سبتمبر 2026، ما قد يعني إغلاقها، بينما ما زال سجن شالا ومركز احتجاز «مينا البري» يُظهران نشاطاً بشرياً ملحوظاً. ووثقت المنظمة كذلك العمل القسري، كجمع الجثث والأنقاض والطهي والتنظيف لعناصر الدعم السريع دون أجر.
مراقبة مشددة وتحذيرات من المجاعة
قال سكان إن عدداً محدوداً من المنظمات الإنسانية عاد للعمل في المدينة حتى سبتمبر 2026، لكن الدعم السريع تراقب تحركاتها عن كثب وتمنع السكان من التحدث بحرية إليها. وقال أحد العائدين في يونيو 2026: «الفاشر التي عرفتها انتهت، إنها مدينة مدمرة بالكامل… الجميع مرعوبون». وحذرت المنظمة من أن تقييمات رسمية ترجح بشدة حدوث مجاعة من المستوى الخامس في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في شمال دارفور، بما فيها الفاشر، خلال الأشهر المقبلة.
هيومن رايتس ووتش: «كأن تسونامي ضرب المدينة»
من جهتها، قالت لاتيسيا بدر، مديرة قسم القرن الأفريقي في هيومن رايتس ووتش، في مقال نُشر يوم الاثنين، إن الدعم السريع حاصرت المدينة 18 شهراً وحفرت خندقاً حولها في الأشهر الأخيرة، حتى اضطر السكان الجائعون إلى أكل علف الحيوانات. ونقلت عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقديره أن أكثر من 6 آلاف شخص قُتلوا خلال ثلاثة أيام فقط في الأيام الأخيرة للهجوم، مشيرة إلى أن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان خلصت إلى أن حملة الدعم السريع حملت «سمات الإبادة الجماعية».
وانتقدت المنظمة عدم فرض عقوبات حتى الآن على قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، باستثناء ما فرضته إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وعلى شركة «Global Security Services Group» ومقرها الإمارات، التي يُرجح أنها جنّدت مرتزقة كولومبيين قاتلوا إلى جانب الدعم السريع. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تدفع في مجلس الأمن نحو توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله.
عقوبات بريطانية في الذكرى
وتزامنت الذكرى مع إعلان بريطانيا يوم الاثنين فرض عقوبات على 15 من القادة العسكريين والأمنيين وقادة الميليشيات من طرفي النزاع، الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بسبب جرائم مزعومة تشمل القتل الجماعي والعنف الجنسي خلال السيطرة على الفاشر، وفق صحيفة الغارديان وقناة الجزيرة. وتطالب العفو الدولية بوقف فوري لإطلاق النار، ونشر قوة دولية لحماية المدنيين، ووقف نقل السلاح إلى جميع أطراف النزاع.
مصادر
- Amnesty International – El Fasher civilians suffer unlawful killings, detention and torture one year after city’s capture
- Human Rights Watch – Sudan: One Year on from the Cataclysm of El Fasher
- The Guardian – UK sanctions Sudanese military leaders implicated in El Fasher
- Al Jazeera – Britain sanctions Sudanese commanders
