استفاقت فرنسا يوم الأحد على مشهد غير مألوف في تاريخها الحديث: سيارات محترقة وواجهات متاجر محطمة في باريس ومدن أخرى، ومبنى بلدية تاريخي في مدينة ليموج تحوّل إلى ركام بعد أن التهمته النيران. فاحتجاجات السبت التي خرجت ضد غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتدهور الخدمات العامة، ومنها المدارس، انزلقت على هامشها إلى أعمال شغب ونهب واسعة، دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون إلى توجيه خطاب متلفز إلى الأمة.
أرقام اليوم الأصعب
بحسب وزارة الداخلية الفرنسية، شارك نحو 550 ألف شخص في المظاهرات التي جرت في معظمها بشكل سلمي، بينما قالت نقابة «سي جي تي» إن عدد المشاركين بلغ 800 ألف. وأعلنت الوزارة توقيف نحو 2400 شخص، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ووكالة «أسوشيتد برس».
وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن نحو 500 من عناصر الشرطة والإطفاء والإسعاف أصيبوا خلال الاحتجاجات، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. كما ذكرت الوكالة أن شخصاً توفي خلال المسيرة الرئيسية في باريس، لكن المسؤولين أوضحوا أن الوفاة مرتبطة بحالة صحية. ومن بين الإصابات الخطيرة، فقد فتى في السابعة عشرة يده اليمنى بقنبلة لتفريق الحشود في مدينة سانت إتيان جنوبي البلاد، وفقدت فتاة في السن نفسها إحدى عينيها في مولوز، بحسب النيابة العامة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قدّر اتحاد تجارة التجزئة أن نحو 1500 متجر ومؤسسة تجارية تضررت، بخسائر تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات.
ليموج تفقد مبنى بلديتها التاريخي
الصورة الأكثر رمزية جاءت من ليموج في وسط فرنسا، حيث أتى حريق أشعله مثيرو الشغب مساء السبت على مبنى البلدية المزخرف الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، فانهار برج الساعة والسقف مع اشتداد النيران، بحسب «بي بي سي». وقال محافظ المنطقة موريس باراتي لقناة «إل سي إي» إن الحريق أُضرم عمداً على يد «حشد همجي». وفي اليوم التالي خرج نحو سبعة آلاف شخص في مسيرة بالمدينة للتعبير عن غضبهم من حجم الدمار.
وقالت إحدى السكان قرب المبنى المدمر لـ«بي بي سي»: «هذا محزن جداً. إيذاء المباني التراثية لمجرد الغضب من الحكومة تصرف أناني، إنه يؤذي الجميع».

الأحد: مواجهات جديدة في باريس وليون
لم تنتهِ الاضطرابات مع نهاية يوم السبت. فبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تجمّع عدة مئات من الأشخاص يوم الأحد في ساحة الجمهورية بباريس استجابةً لدعوات على مواقع التواصل لتجمع لم تأذن به السلطات، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، فيما رُشق عناصرها بالزجاجات والحجارة. وأظهرت لقطات تلفزيونية نهب متجر ملابس وإحراق دراجات في المكان. كما تعرّض متجر ملابس للنهب في ليون، حيث كان مكتب سياحي في وسط المدينة قد أُضرمت فيه النار خلال احتجاجات السبت.
وأشارت الوكالة إلى أن عمليات النهب يوم السبت طالت أيضاً مرسيليا وبوردو ونيس وستراسبورغ. ونقلت عن مجموعة المحامين «ليغال تيم باريس» أن نحو 550 شخصاً من أصل 855 أوقفوا في العاصمة ظلوا محتجزين، وأن مراكز الشرطة تجد صعوبة في استيعاب الأعداد.
ماكرون: «نشعر جميعاً بالغضب والعار»
في خطاب من قصر الإليزيه، دعا ماكرون إلى «الهدوء والنظام»، وحذّر المشاركين في أعمال العنف من «التصعيد»، قائلاً: «نشعر جميعاً بالغضب والعار». وشدد على ضرورة التمييز بين «المطالب المشروعة» للمحتجين وبين «من دمّروا وحطّموا ونهبوا»، مؤكداً أنه «لا شيء يبرر» هذا العنف.
ونقلت «أسوشيتد برس» عنه قوله: «من نهبوا سيدفعون ثمن الأضرار، ومن سعوا إلى إسقاط الجمهورية سيُحاسَبون». كما حمّل ماكرون، على غرار مسؤولين حكوميين آخرين، جزءاً كبيراً من المسؤولية لناشطين من أقصى اليسار، متهماً إياهم بمهاجمة الشرطة والمباني العامة لإثارة الفوضى.
ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماعاً حكومياً لإدارة الأزمة يوم الاثنين، بحسب «بي بي سي».
من دعا إلى الاحتجاجات؟ ولماذا الآن؟
ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن حركة «السترات الصفراء»، التي نظمت احتجاجات واسعة قبل ثماني سنوات ضد زيادات ضريبية مقررة على الوقود، هي التي دعت إلى مظاهرات السبت التي حملت اسم «الأصفر والشباب». أما المطالب المعلنة فتتمحور حول ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.
ويتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً؛ إذ لامس خام برنت الأسبوع الماضي أعلى مستوياته منذ مايو بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود في أوروبا. كما انعكست الأحداث على الأسواق، إذ تراجع اليورو صباح الاثنين بنسبة 0.2% إلى 1.1212 دولار متأثراً بالاضطرابات في فرنسا، بحسب وكالة «رويترز».
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار الآن إلى اجتماع الأزمة الحكومي وما قد يخرج عنه من إجراءات أمنية أو اقتصادية، وإلى ما إذا كانت الدعوات إلى تجمعات جديدة ستستمر خلال الأيام المقبلة. وبين مطالب اجتماعية يعترف بها حتى الرئيس بوصفها «مشروعة»، وعنف يصفه المسؤولون بأنه من أسوأ موجات الفوضى في تاريخ فرنسا الحديث، تبدو الحكومة أمام اختبار صعب لاستعادة الهدوء دون تجاهل جذور الغضب.
