
شيّعت جماهير غفيرة في مدينة غزة، صباح الأحد 18 أكتوبر 2026، رفات 75 شهيداً انتُشلت من تحت أنقاض منازل ومبانٍ مدمّرة في حي الدرج شمال شرقي المدينة، ثم دُفنت في مقبرة الشيخ رضوان. وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن معظم الضحايا من سكان حي الدرج، فيما قالت مراسلة الجزيرة نور خالد إن أغلب الرفات تعود إلى نساء وأطفال «كانوا داخل منازلهم حين استُهدفت».
ماذا جرى في التشييع؟
بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، أدّى المشيّعون صلاة الجنازة على الرفات في نادٍ رياضي قرب المكان المستهدف في حي الدرج، بعدما غُطّيت بأعلام فلسطين وصور الشهداء، ثم انطلق موكب التشييع إلى مقبرة الشيخ رضوان. ولم تكن الرفات أجساداً كاملة، بل عظاماً وجماجم وأجزاءً من أجساد ومتعلّقات شخصية، وُضعت فوق بعضها الورود.
وكان ذوو الشهداء قد ألقوا نظرة الوداع على رفات أقاربهم مساء السبت، وسط الدموع وإشعال الشموع. وضمّت الصور المرفوعة رجالاً مسنّين وأطفالاً وفتيات ونساء، من بينها صورتان للشقيقين الطفلين لؤي وبشير الجرجاوي، وإلى جوارهما صورة لأفراد من عائلة حجاج استُشهدوا جميعاً في المجزرة نفسها.
من هم الضحايا؟
قال عبد الله المجدلاوي، مدير العلاقات العامة والإعلام في الدفاع المدني بغزة، لوكالة الأناضول، إن الرفات انتُشلت خلال الأسابيع الأخيرة من عدة منازل مدمّرة في حي الدرج، وإن هذه المباني قُصفت وسكانها بداخلها خلال الأشهر الأولى من الحرب. وأوضح أن الضحايا ينتمون إلى نحو 20 عائلة فلسطينية، بينهم نازحون كانوا قد لجؤوا إلى تلك المنازل.
وبحسب «وفا»، كانت قوات الاحتلال قد استهدفت مربعاً سكنياً في حي الدرج صباح الثالث من ديسمبر 2023، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 90 شخصاً لم تتمكن فرق الإنقاذ ولا ذووهم من انتشال جثامينهم طوال هذه المدة. ومن العائلات التي فقدت أبناءها في ذلك الاستهداف: عطا الله، والقهوجي، وأبو ريان، وشبلاق، وحجازي، وحجاج.
شهادات العائلات
قالت روان أبو خضير، التي فقدت زوجها وأطفالها صباح الثالث من ديسمبر 2023، وبينهم طفل لم يتجاوز العامين، وهي تقف أمام رفاتهم: «ثلاث سنوات، والوجع لم ينتهِ، ولم ننسَ. أتمنى ألا يتكرر ذلك مع أحد، وأتمنى أن تنتهي الحرب». وأضافت: «لا أقف كزوجة فقدت زوجها أو أم فقدت أطفالها، بل كإنسانة فقدت كل عائلتها».
أما فريال علوان فقالت إنها فقدت 17 فرداً من عائلتها، بينهم كبار سن ونساء وشبان وامرأة حامل في شهرها السادس، حين استُهدف منزل العائلة المأهول المكوّن من ثلاثة طوابق. وحملت صورة ابن أخيها محمد علوان، الذي أنهى دراسته الجامعية واستُشهد قبل أن يتسلّم شهادته، وقالت: «كنا نعيش في منزل من 3 طوابق، وسوبرماركت أسفله، والآن نعيش في خيمة على قارعة الطريق، بدون مأوى ولا مغيث».
آلاف ما زالوا تحت الأنقاض
أشار المجدلاوي إلى أن عمليات انتشال الجثامين ما زالت تواجه صعوبات كبيرة بسبب نقص المعدات والآليات الثقيلة. وبحسب ما نقلته الأناضول وموقع «تي آر تي»، أطلق الدفاع المدني المرحلة الثانية من مشروع انتشال الجثامين في 19 يوليو الماضي، بعد مرحلة أولى بدأت في نوفمبر 2025 وانتُشلت خلالها جثامين ورفات 333 شخصاً من أصل 559 يُعتقد أنهم كانوا تحت أنقاض 54 منزلاً ومبنى، ولم تتمكن الفرق حينها من الوصول إلى نحو 226 آخرين بسبب محدودية الإمكانات.
ويقدّر الدفاع المدني أن رفات أكثر من 8 آلاف فلسطيني ما زالت تحت الركام في أنحاء القطاع، وكان المتحدث باسمه محمود بصل قد حذّر في 7 أكتوبر من أن انتشالهم بالإمكانات المتاحة حالياً قد يستغرق نحو ثماني سنوات. كما أفاد الفريق الوطني لمتابعة ملف المفقودين التابع لوزارة العدل الفلسطينية بأن أكثر من 10 آلاف شخص فُقدوا في غزة منذ أكتوبر 2023، يُعتقد أن أكثر من 8 آلاف منهم تحت الأنقاض، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام تقديرات مجمّعة من مصادر مختلفة. وبحسب وكالة الأونروا، هناك نحو 200 ألف مبنى متضرر أو مدمّر في القطاع.
جنازات جماعية تتكرر
باتت الجنازات الجماعية مشهداً متكرراً في غزة خلال الأشهر الأخيرة. ففي أغسطس شُيّع 113 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة، وفي سبتمبر شُيّع نحو 100 شهيد في جنازة انطلقت من حي الزيتون، وفي الثاني من أكتوبر الجاري شُيّع 105 شهداء سقطوا في مجزرة «مربع التاج» قبل ثلاث سنوات. وتقول المصادر الطبية في غزة إن أكثر من 74 ألف فلسطيني استُشهدوا منذ بدء الحرب قبل نحو ثلاث سنوات، وتذكر الجزيرة أن العدد بلغ 74,475 على الأقل، فيما أُبيدت أكثر من 2700 عائلة بالكامل بحسب «وفا».
المصادر: دوز نقلاً عن وكالة وفا، وكالة وفا (بالإنجليزية)، الجزيرة الإنجليزية والأناضول، تي آر تي وورلد.
