الوقف، وجمعه أوقاف، ترتيب فقهي يخرج به المال من سوق البيع والإرث ويبقي ريعه لغرض يُسمّى في الصك. الموسوعة البريطانية تعدّه مؤسسة في العالم الإسلامي: الواقف يحبس العين، والمنفعة تمضي إلى ما عيّنه. العين قد تكون أرضًا أو دكانًا أو بئر ماء، والغرض قد يكون مسجدًا أو سبيلًا أو طلبة علم أو ذرية الواقف نفسه.
الفقهاء فرّقوا بين وقف خيري يُنفق ريعه على جهة عامة، ووقف أهلي أو ذُرّي يجعل الريع للأولاد ثم لجهة برّ إذا انقطعوا. الفرق ليس زخرفة. الوقف الأهلي أبقى المال داخل الأسرة من دون أن يُقسم ميراثًا في كل جيل، وهذا ما جعل دولًا لاحقة تقيّده أو تحلّه حين رأت فيه حجبًا للأرض عن السوق. الوقف الخيري هو الذي بنى مدارس وبيمارستانات وسُبُلًا، لأن الصيانة لا تعتمد على موازنة سنة واحدة.
الصك هو الوقف لا النية الشفوية. فيه الواقف، والعين، والمصرف، والناظر أو المتولّي الذي يؤجّر ويرمّم ويدفع الريع ولا يملك الرقبة. الصورة المرافقة وثيقة وقف عثمانية من ديار بكر: صك واحد كُتب في سياق قضاء وديوان، لا نموذجًا يُنسخ في كل مدينة. من يقرأ الوقف من شعار معاصر يظن أن كل وثيقة قديمة ما زالت سارية بنفس المصرف. كثير من الأعيان بيعت أو استُبدلت أو دخلت في إدارة حكومية، والصك يبقى شاهدًا لا سند ملكية.
الدول الحديثة جمعت كثيرًا من هذه الأوقاف في وزارات أوقاف. الوزارة تؤجّر وترمّم، لكنها ليست الواقف. الواقف شخص مات منذ قرون، والشرط الذي كتبه قد يصطدم مع تخطيط المدينة: أرض وُقفت لمقبرة لا تُبنى عمارة، ودكان وُقف لطلبة صار إيجاره أقل من أجر السوق. هذا توتر بين شرط الميت وحاجة الحيّ، لا خللًا في فكرة الوقف.
وقف النقود والأسهم مسألة أحدث. العين الكلاسيكية تبقى، أما النقد فيُنفق. من أجاز وقف الدراهم اشترط أن يُستثمر في عين تبقى، ويُنفق الربح. من يسمّي حسابًا مصرفيًا «وقفًا» لأن صاحبه لا يسحب منه يخلط التسمية بالعقد. العقد يحتاج صيغةً وناظرًا ومصرفًا لا يرجع إلى ملك الواقف.
